البرمجيات مفتوحة المصدر: كيف شكلت عالمنا الرقمي دون أن نشعر؟

بسم الله الرحمن الرحيم

نعيش اليوم في عصر ذهبي من التطور التقني، حيث أصبحت التكنولوجيا جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل يومنا، من الهاتف إلى التطبيقات التي ندير بها أعمالنا. ولكن، هل تساءلت يوماً عن “المحرك الخفي” الذي يدير كل هذه العجلة؟

كثير منا يسمع مصطلح “البرمجيات مفتوحة المصدر” (Open Source Software)، وقد يظن البعض أنها مجرد أدوات للمبرمجين المحترفين، أو برامج مجانية بسيطة. والحقيقة أن هذه البرمجيات هي الأساس الذي بني عليه جزء كبير من الإنترنت كما نعرفه اليوم. في هذه التدوينة، سنبسط هذا المفهوم، ونكتشف كيف أثرت ثقافة “المشاركة” هذه على حياتنا، وكيف أنها تمثل نموذجاً راقياً للتعاون البشري.

ما هي البرمجيات مفتوحة المصدر؟

لنشرح الأمر بمثال بسيط جداً من حياتنا اليومية: “وصفة الطعام”.

تخيل أن لديك وصفة سرية لطبق مميز تبيعه في مطعمك، ولا تسمح لأحد بالاطلاع على المكونات أو طريقة التحضير؛ هذا بالضبط ما نسميه في عالم التقنية “البرمجيات مغلقة المصدر” (مثل نظام ويندوز أو برامج أدوبي)، حيث تحتفظ الشركة بـ “الكود البرمجي” (الوصفة) لنفسها.

في المقابل، تخيل أنك قمت بنشر وصفتك للناس، وقلت لهم: “هذه الوصفة متاحة لكم، يمكنكم طهيها، ويمكنكم أيضاً تحسينها، إضافة توابل جديدة، أو حتى إعادة توزيعها بشرط أن تظل متاحة للجميع”. هذه هي “البرمجيات مفتوحة المصدر”.

إنها برمجيات يُتاح فيها “الكود المصدري” (السطور البرمجية التي كتبها المبرمج) للجميع، ليتمكنوا من دراسته، تعديله، وتطويره. هي ليست مجرد كود، بل هي ثقافة تعتمد على الشفافية والتعاون بدلاً من الاحتكار.

أشهر البرمجيات المفتوحة التي نستخدمها يومياً دون أن نعلم

قد تظن أنك بعيد عن هذا العالم، ولكن الحقيقة أنك -وغالباً دون أن تعلم- تعتمد على البرمجيات المفتوحة في كل ساعة من يومك. إليك بعض الأمثلة:

  • نظام تشغيل الهواتف (أندرويد): إذا كنت تحمل هاتفاً يعمل بنظام أندرويد، فأنت تستخدم أشهر نظام مفتوح المصدر في العالم، والمبني على نواة “لينكس” (Linux).
  • متصفحات الإنترنت: هل تستخدم متصفح “Google Chrome” أو “Microsoft Edge”؟ كلاهما مبنيان على مشروع مفتوح المصدر يسمى “Chromium”.
  • إدارة المواقع (ووردبريس): أكثر من 43% من مواقع الويب حول العالم تعمل بنظام “ووردبريس” (WordPress) مفتوح المصدر، بما في ذلك مواقع إخبارية عالمية ومتاجر كبرى.
  • مشغل الوسائط (VLC): ذلك البرنامج الشهير الذي يشغل أي ملف فيديو تقريباً، هو مشروع مفتوح المصدر بالكامل يطوره متطوعون.

الفرق الجوهري بين البرمجيات المفتوحة والبرمجيات التجارية المغلقة

لتبسيط الفروقات الجوهرية بين النظامين، دعونا نقارن بينهما في أهم النقاط:

1. الوصول للكود (الشفافية)

  • في البرمجيات المفتوحة: الكود متاح للجميع (شفافية تامة).
  • في البرمجيات المغلقة: الكود سري ومحفوظ لدى الشركة المالكة فقط.

2. طريقة التطوير

  • في البرمجيات المفتوحة: تطوير مجتمعي (يشارك فيه آلاف المطورين حول العالم).
  • في البرمجيات المغلقة: تطوير مركزي محصور بفريق عمل الشركة فقط.

3. التكلفة المادية

  • في البرمجيات المفتوحة: غالباً ما تكون مجانية (ولكن ليس دائماً).
  • في البرمجيات المغلقة: غالباً مدفوعة (تتطلب شراء رخصة استخدام).

4. المرونة والتعديل

  • في البرمجيات المفتوحة: مرونة عالية جداً (يمكنك تعديلها وتطويعها لتناسبك).
  • في البرمجيات المغلقة: محدودة جداً بما تسمح به الشركة وتوفرة من خيارات.

لماذا “المفتوح” أكثر أماناً؟

قد يتبادر إلى الذهن سؤال منطقي: “إذا كان الكود متاحاً للجميع، ألا يسهل ذلك على المخترقين إيجاد الثغرات؟”

الجواب هو: العكس صحيح، والبرمجيات المفتوحة غالباً ما تكون أكثر أماناً، والسبب يكمن في قاعدة شهيرة تسمى “قانون لينوس” (نسبة لمخترع نظام لينكس): “بوجود عدد كافٍ من العيون، تكون كل الأخطاء واضحة”.

في البرمجيات المغلقة، إذا وجدت ثغرة أمنية، يجب عليك انتظار الشركة لتكتشفها وتصلحها. أما في المصادر المفتوحة، فهناك آلاف الخبراء حول العالم يراجعون الكود باستمرار. إذا وُجدت ثغرة، يتم اكتشافها وسدّها بسرعة مذهلة بفضل تكاتف المجتمع التقني. هي كالبيت الزجاجي، لا يمكن إخفاء العيوب فيه، ولذلك يتم إصلاحها فوراً.

خرافات شائعة: هل مفتوح المصدر يعني دائماً أنه “مجاني”؟

هذا أحد أكثر المفاهيم الخاطئة انتشاراً. في اللغة الإنجليزية كلمة (Free) تعني “مجاني” وتعني أيضاً “حُر”. في عالم المصادر المفتوحة، المقصود هو “الحرية” (حرية الاطلاع والتعديل) وليس بالضرورة “المجانية” (بدون مقابل مالي).

  • نعم، أغلب البرمجيات المفتوحة مجانية تماماً.
  • ولكن، هناك شركات عالمية عملاقة (مثل Red Hat) تبني عملها بالكامل على برمجيات مفتوحة المصدر وتحقق أرباحاً بالمليارات. كيف؟ هي تبيعك “الخدمة”، “الدعم الفني”، “التدريب”، و”النسخ المخصصة للشركات”، بينما يبقى أصل البرنامج مفتوحاً وحراً.

لذا، تذكر دائماً: هي “حرة” كما في “حرية التعبير”، وليست دائماً “مجانية” كما في “المشروبات المجانية”.

ختاماً

إن البرمجيات مفتوحة المصدر ليست مجرد أسطر برمجية، بل هي درس كبير في قوة التعاون البشري. لقد أثبتت لنا أن المعرفة عندما تُشارك تنمو وتزدهر، وأننا عندما نعمل سوياً بشفافية، يمكننا بناء أنظمة أكثر أماناً وقوة، وتعود بالنفع على البشرية جمعاء.

أسأل الله أن تكون هذه التدوينة قد فتحت لكم نافذة جديدة لفهم التقنية التي نستخدمها، وإن شاء الله في تدوينات قادمة سنتطرق لبعض البرمجيات المفتوحة التي يمكنكم الاستفادة منها في أعمالكم.

مصادر وروابط مفيدة: