هل سألت نفسك يوماً: كيف يعرف تطبيق الخرائط (مثل Google Maps) أن هناك ازدحاماً مرورياً في شارع معين قبل أن تصله؟ أو كيف يقترح عليك “يوتيوب” مقطعاً يناسب اهتمامك بدقة مذهلة، وكأنه يقرأ أفكارك؟
الإجابة لا تكمن في السحر، بل في مصطلح تقني ومحوري نسمعه كثيراً مؤخراً: “البيانات الضخمة” (Big Data).
في عصرنا هذا، لم تعد ثروات الدول تقاس فقط بما تملكه من موارد طبيعية ، بل بما تملكه من “معلومات” وكيفية استثمارها. في هذه التدوينة، سنحاول تبسيط هذا المفهوم المعقد، ونلقي نظرة فاحصة على مكانة دولنا الخليجية في هذا السباق العالمي، ومستقبل الوظائف لأبنائنا في هذا المجال، إن شاء الله.
لماذا تُعتبر البيانات الضخمة “نفط العصر” الجديد؟
في عام 2006، أطلق عالم الرياضيات “كليف همبي” عبارته الشهيرة التي أصبحت قاعدة اقتصادية اليوم: “البيانات هي النفط الجديد”. ولكن، ما وجه الشبه بينهما؟
- القيمة في التكرير: النفط الخام في صورته الأولية (الأسود اللزج) لا فائدة كبرى منه؛ يجب تكريره ومعالجته لنحصل على وقود الطائرات والبلاستيك. وكذلك البيانات؛ هي مجرد أرقام ونصوص مبعثرة لا قيمة لها إلا إذا تمت “معالجتها وتحليلها” لتخرج لنا بمعلومات وقرارات مفيدة.
- محرك الاقتصاد: كما حرّك النفط الآلات والمصانع في القرن الماضي، تحرّك البيانات اليوم الذكاء الاصطناعي، وتوجه القرارات الحكومية، وترسم استراتيجيات الشركات الكبرى.
مثال من واقعنا:
شركات التسوق الكبرى (الهايبر ماركت) لا تحتفظ بفواتير شرائك عبثاً. هي تحلل بيانات ملايين المشترين لتعرف أن من يشتري “المنتج أ” (مثل الحليب) غالباً ما يحتاج “المنتج ب” (مثل الخبز) في نفس الوقت، فتقوم بوضعهم بجانب بعضهم أو تقدم عروضاً مشتركة لزيادة المبيعات. هذا هو باختصار “تكرير البيانات” لتحويلها إلى مال.
ما هي أكثر الدول تقدماً في هذا الموضوع؟
السباق العالمي للسيطرة على البيانات محتدم جداً، وهناك دولتان تتربعان على العرش حالياً وتتنافسان بشراسة:
- الولايات المتحدة الأمريكية: هي مهد التقنية الحديثة، حيث توجد الشركات العملاقة مثل (Google, Amazon, Microsoft) التي تمتلك أضخم خوادم بيانات في العالم، وتقود الابتكار في أدوات التحليل والذكاء الاصطناعي.
- الصين: تعتمد الصين على ميزة لا يملكها غيرها، وهي حجم السكان الهائل (أكثر من 1.4 مليار نسمة). هذا العدد يولد كماً لا نهائياً من البيانات، وتستخدمها الحكومة والشركات الصينية بشكل مكثف في تنظيم المدن الذكية، والمواصلات، والأنظمة المالية بدقة عالية.
وتلي هذه الدول قوى أخرى مثل المملكة المتحدة، واليابان، وكوريا الجنوبية، حيث يُستثمر المليارات سنوياً في البنية التحتية الرقمية.
الخليج العربي ووضعهم مع علم البيانات
بفضل الله، ثم الرؤى الاستراتيجية الطموحة، لم تعد دول الخليج مجرد مستهلك للتقنية، بل أصبحت لاعباً منافساً، حيث أدركت قيادات المنطقة أن الاعتماد على النفط التقليدي يجب أن يوازيه استثمار في “نفط البيانات”.
- المملكة العربية السعودية: تقود حراكاً ضخماً وتاريخياً من خلال “الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي” (سدايا – SDAIA). رؤية 2030 تعتمد بشكل جوهري على البيانات لإدارة المشاريع العملاقة مثل “نيوم”، ورقمنة الخدمات الحكومية التي نلمس سهولتها اليوم.
- الإمارات العربية المتحدة: كانت سباقة عالمياً بتعيين أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي، ولديها استراتيجيات واضحة لجعل دبي وأبوظبي من أذكى المدن في العالم بالاعتماد على تحليل البيانات اللحظية.
- باقي دول الخليج: قطر والبحرين والكويت وعمان تسير بخطى حثيثة نحو “الحكومة الذكية” والتحول الرقمي لتقليل الاعتماد الورقي وتحسين جودة الحياة للمواطن والمقيم.
ماذا عن التعليم والتخصصات الجامعية؟ (أين المستقبل؟)
هذا هو السؤال الأهم للشباب، أو لمن يفكر في تغيير مساره المهني. البيانات الضخمة خلقت سوق عمل جديد كلياً ومطلوباً بشدة، وبرواتب مجزية غالباً.
أهم التخصصات الجامعية المطلوبة:
لا يشترط دائماً أن يكون التخصص باسم “بيانات ضخمة” حرفياً، فالمجالات التالية هي الأساس:
- علوم البيانات (Data Science).
- علوم الحاسب (Computer Science) والذكاء الاصطناعي.
- الإحصاء والرياضيات (Statistics & Mathematics) – وهو حجر الأساس.
- نظم المعلومات الإدارية (MIS) – مع التركيز على جانب تحليل الأعمال.
أين توجد الوظائف؟
الوظائف لا تنحصر في شركات التقنية فقط كما يظن البعض، بل هي موجودة في كل قطاع:
- القطاع الحكومي: للمساعدة في اتخاذ القرارات والتخطيط الاستراتيجي للدولة.
- البنوك والمصارف: لكشف عمليات الاحتيال وفهم سلوك العملاء المالي.
- شركات الاتصالات: لتحسين جودة الشبكة وتصميم الباقات المناسبة.
- المتاجر الإلكترونية وشركات الشحن: لتحسين الخدمات اللوجستية وسرعة التوصيل.
ختاماً
البيانات الضخمة ليست مجرد موجة عابرة ستنتهي قريباً، بل هي حجر الزاوية لاقتصاد المستقبل. وكما منّ الله علينا بثروة النفط في الماضي ونهضنا بها، فإن استثمارنا في عقول أبنائنا لتعلم لغة العصر هو الثروة الحقيقية والمستدامة القادمة بإذن الله.
إذا كنت طالباً أو باحثاً عن عمل، فنصيحتي لك: ابدأ بتعلم ولو القليل عن مبادئ تحليل البيانات، فالمستقبل هناك.
والله الموفق.